معيشة سبعة ملايين موظف عراقي على كف عفريت       ((شلع قلع ))... شهر عسل الأحزاب العراقية ..كاسك يا وطن !!       تصفية سايكس- بيكو: طبخة زعاف مطلوب تجرعها       ماذا بعد اعتذار بايدن للإمارات عن «ايحاءات» تمويل الإرهاب؟       الرئيس معصوم .. همسات الصمت لتقسيم العراق ومعادلات حلول عاجلة         داعش .. خلافة ارهابية !!       مشاورات متعددة الاطراف لإحياء تشكيلات الصحوات.. كخطوط قتالية ل"تحرير" الموصل وتكريت والانبار        طيران الجيش يدمر ثلاثة صهاريج محملة بل الوقود المهرب لداعش في الموصل        جوزات داعش اصحبت مستمسك ضدهم        تدمير اكثر من 60 موقعا لعناصر تنظيم "داعش" في مدينة تكريت
التفاصيل
2013-05-25 08:02:00
Share |
ثمود الذين جابوا الصخر بالواد
سامي مهدي
ثمود الذين جابوا الصخر بالواد
ربما كان أشبه بهاجس شعري هذا الذي دفعني إلى البحث عن ثمود في المراجع والمصادر والكتابة عنها . فكلما مر علي ذكرها في كتاب أو صحيفة أو حديث تحرك هذا الهاجس ورحت أتساءل عن حقيقة ثمود ، وعن وجودها في التاريخ ، واختفائها من مسرحه . فمن ثمود إذن ، وما تاريخها ، وكيف اختفت ؟
ورد ذكر ثمود باسمها الصريح في تسع عشرة سورة من سور القرآن الكريم هي : التوبة ، وإبراهيم ، وهود ، والأعراف ، والحج ، والفرقان ، والشعراء ، والنمل ، والعنكبوت ، وسورة ( ص ) ، وغافر ، وفصلت ، وسورة ( ق ) ، والذاريات ، والنجم ، والقمر ، والحاقة ، والفجر ، والشمس . ونفهم من الآيات التي وردت في هذه السور أن ثمودَ كانت تعبد الأصنام ، وعصت نبيها صالحاً ، وتمسكت بمعبوداتها ، فأهلك الله العصاة بالصيحة . ويظهر من الكتابات الثمودية أن كلاً من : ود ، وعثتر السماء ، ورضا ، ونهى وغيرها ، كانت من معبوداتها . وعادة ما يرد ذكر ثمود في القرآن مثلاً لما ينتظر المشركين الذين يعرضون عن الأنبياء من عقاب شديد . وغالباً ما يقترن ذكرها بذكر عاد التي أهلكتها ريح صرصر للسبب نفسه . ولكن السؤال عن ثمود ما زال قائماً ، فمن ثمود ؟
ثمود ، عند الأخباريين والنسابين ، ممن عرفوا بالعرب البائدة . وبناء على روايات هؤلاء ، واقتران ذكرها في القرآن بذكر عاد ، رأى بعض الباحثين المعاصرين أنها وعاد من أرومة عائلية ودينية وثقافية واحدة ( فاضل الربيعي / إرم ذات العماد / ص 286 ) . وهناك من ظن أنها شرذمة من الهكسوس الذين طردهم أحمس الأول من مصر ( محمد مبروك نافع / عصور ما قبل الإسلام / ص 10 ) . وادعى بعضهم أنها من قبائل معين ، وزعم آخرون أن قبيلة لحيان هي ثمود نفسها أو قبيلة من قبائلها ، وقيل الشيء نفسه عن القيداريين والأنباط ، ولكنني لم أجد دليلاً يعتد به في تأييد أي من هذه الآراء والظنون . أما المؤرخون العرب القدامى ، كالمسعودي والطبري وابن الأثير ، فقد وضعوا لثمود أنساباً أسطورية ، وأرجعوها وعاداً إلى جد واحد هو : إرم بن سام بن نوح . غير أنني سأعرض عن هذا كله وأعوّل على ما جاء في المصادر المدونة الأخرى . 
وأول ذكرٍ لثمود في هذه المصادر هو ما ورد عنها في سجلات الملك الآشوري سرجون الثاني ( 721-705 ق. م. ) . فقد جاء فيها أنه شن في عام ( 715 ق. م. ) حملة على بعض القبائل العربية في بادية الشام وشمال غربي الجزيرة العربية وهزمها ، وكان من بينها ثمود ( Tamudi ) أو ( Thamudi ) . وهذا يعني أن ثمودَ كانت موجودة في هذه المنطقة قبل هذا التاريخ بكثير أو قليل . ومن المحتمل أن يكون سرجون هذا قد أجلى بعض الثموديين وأسكنهم في السامرة في فلسطين مع من أجلى من هذه القبائل وأسكنهم هناك ، بناء على الخبر الذي جاء في سجلاته .
غير أن اللافت للنظر أن التوراة لم تذكر الثموديين مع من ذكرت من أقوام وقبائل ، برغم أن بعضهم عاش في الشمال الغربي من الجزيرة العربية وأطراف الشام قروناً طويلة تزيد على ألف عام . وكذلك لم يذكرهم الملك نبونئيد ( آخر ملوك الدولة الكلدية في بابل ) الذي غزا هذه المنطقة ( في حدود عام 551 ق. م. ) مع أنه فصل أخبار غزوته في مسلته التي عثر عليها في حران عام 1956 ، وذكر فيها أنه احتل واحة تيماء وقتل زعيمها مالك ( ملكو ) ثم احتل دومة الجندل ، وتوغل بعدها في الجنوب فاحتل العلا وفدك والبدع وخيبر ويثرب ، وبنى له قصراً في تيماء ( أقام فيه نحو عشر سنوات ) . 
وكذلك شأن المؤلفين الكلاسيكيين المبكرين من اليونان والرومان الذين كتبوا عن العرب وذكروهم في مؤلفاتهم مثل : هيرودوتس وثيوفراستوس وإيراتوستينس ، فهم لم يذكروهم مع من ذكروا فيها . وكان أول من ذكرهم أجاثريدس ، وجاء ذكرهم عنده باسم Thamudenoi . وقال إنهم يسكنون عند شاطيء صخري يبلغ طوله نحو ( 100 ) ستاديون ( الستاديون الواحد طوله 400 ذراع ) ويقع هذا الشاطئ عند ما سماه الخليج الطويل للبحر الأحمر ، والواضح أنه يقصد ما يعرف اليوم باسم : خليج العقبة . وتكرر ما ذكره أجاثريدس عند ديودروس الصقلي في القرن الأول الميلادي مع اختلاف طفيف . ثم ذكرهم أورانوس وقال إنهم يقطنون على حدود ما يعرف في الأدبيات الكلاسيكية بالمقاطعة العربية . وإلى مثل هذا ذهب بطليموس في القرن الثاني للميلاد . ( د. منذر البكر / دراسات في تاريخ العرب قبل الإسلام / ص 125 ) وغيره .
أما المؤلفات التاريخية العربية القديمة فقد اختلفت عن المؤلفات اليونانية والرومانية في تحديد المنطقة التي كانت ثمود تقطنها ، وأجمعت على أنها مدينة ( حجر ) التي تعرف اليوم باسم ( مدائن صالح ) . فقد ذكر المسعودي : أن منازل ثمود كانت بين الشام والحجاز إلى ساحل البحر الحبشي ( أي البحر الأحمر ) وديارهم بفج الناقة ، وبيوتهم إلى وقتنا هذا منحوتة في الجبال ، ورسومهم باقية ، وآثارهم بادية ، عن طريق الحاج لمن ورد من الشام بالقرب من وادي القرى ، وبيوتهم منحوتة في الصخر لها أبواب صغار ، ومساكنهم على قدر مساكن أهل عصرنا . وهذا يدل على أن أجسامهم كأجسامنا ، دون ما تخبر به القصّاص عن بُعد أجسامهم ( مروج الذهب : 2/156 ) . وقال الطبري : إنهم يسكنون الحجر إلى وادي القرى بين الحجاز والشام . ( تاريخ الرسل : 1/227 ) . وذكر الهمداني : أن حجر موضع ثمود وفيها آثار عظيمة . ( صفة جزيرة العرب / ص 171 ) . وإلى مثل هذا ذهب ابن الأثير في كتابه : الكامل في التاريخ . أما الإصطخري فوصف ما ظنه منازل ثمود في مدينة حجر وصفاً دقيقاً ، والظاهر من وصفه أنه شاهدها عياناً وتجول بنفسه في أنحائها . ( مسالك الممالك / ص 19-20 ) .
ولكن ظهر مؤخراً ، بأدلة ملموسة قاطعة ، أن ما ذهبت إليه المؤلفات التاريخية العربية القديمة حول منازل ثمود لم يكن سوى وهم من الأوهام . وقد ظل هذا الوهم سائداً حتى سنوات قليلة بين المؤرخين المعاصرين ، وهو ما يزال سائداً حتى اليوم في كثير من الأوساط ، وما زالت هذه الأوساط تجادل فيه على صفحات بعض الصحف وبعض مواقع الانترنيت كما لاحظت . فالتنقيبات الأثرية التي جرت في حجر ( مدائن صالح ) خلال السنوات الأخيرة كشفت أن المغاور الجبلية المنحوتة فيها ليست سوى مقابر أسرية نبطية ، فليس في داخلها سوى القبور . والكتابات المنقوشة على جدرانها هي كتابات نبطية وليست ثمودية . وصالح الذي اقترن اسم المدينة باسمه ليس صالحاً النبي ، بل هو صالح آخر ، من بني العباس بن عبد المطلب جد الرسول ( ص ) . وأكد هذا كله منذ سنوات قليلة الدكتور فرج الله أحمد يوسف الذي نقب في حجر في حديث لصحيفة الشرق الأوسط ( 11 يناير 2004 ) وكشف أن تاريخ أقدم واجهة من واجهات هذه المقابر يعود إلى عام 100 قبل الميلاد . وتحدث عن الحفريات التي جرت هناك وقال ( إننا لم نعثر على نص واحد ، أو كلمة واحدة تقصد ثمود وتثبت على الأقل أن الثموديين سكنوا هذه المنطقة ) . وأيده في عدد الصحيفة نفسه الدكتور خالد أسكوبي فقال : إننا لم نعثر في الحفريات الثلاث التي أجريناها في منطقة الحجر على أي دليل أثري يرجع لثمود ، وكل الذي عثرنا عليه هو نبطي بشكل جازم . وأكد ما ذهب إليه هذا الباحثان المختصان مطلق سليمان المطلق المعاون والباحث في وحدة الآثار في منطقة العلا في المملكة العربية السعودية . وقال المطلق : إن عدد الواجهات المنحوتة في حجر يبلغ 132 واجهة ، وهي واجهات مقابر نبطية أسرية ، وأضاف أن التحليل الكيمياوي الذي أجري على بقايا العظام التي وجدت في هذه المقابر أثبت أنها تعود إلى نحو عام 100 قبل الميلاد . وكانت الصحيفة نفسها قد أشارت إلى بحث كان قد نشره البروفسور جون هيلي ( من جامعة مانشستر ) في حولية الآثار السعودية ( أطلال ) وذهب فيه المذهب نفسه .
هذه إذن شهادات أربعة شهود من الباحثين الميدانيين المختصين . ومما يعزز هذه الشهادات أن اسم ثمود لم يذكر في سورة الحجر في القرآن الكريم بخلاف كل الآيات التي ذكرت فيها باسمها الصريح ، بل ذكر اسم أصحاب الحجر ( الآية 80 ) . فلم لا يكون المقصود بهذه الآية قوم غير ثمود إذن ؟ على أن الوهم الذي وقع فيه المؤرخون العرب القدامى ما كان ينبغي للمؤرخين المعاصرين أن يقعوا فيه لو أنهم تمكنوا من قراءة النصوص المنقوشة على الواجهات الصخرية في حجر ، وانتبهوا جيداً إلى الموقع الذي حدده كل من أجاثريدس وديودروس وأورانوس وبطليموس لمنازل ثمود . فهذه المنازل كانت تمتد على طول ساحل خليج العقبة وإلى الغرب من واحة تبوك حسب توصيفهم ، فهي بعيدة إذن نسبياً عن العلا وحجر وتيماء ودومة الجندل . وهذا النمط من المغاور المنحوتة في حجر غير موجود في أي موقع من المواقع التي استوطنها الثموديون في أنحاء الجزيرة العربية كلها ، بينما هو موجود في بطرا ( البتراء ) عاصمة مملكة الأنباط ، وفي مدين قرب البدع ، وحدهما ، وهي الأخرى مدافن وليست بيوتاً سكنية . ذلك أنها غرف صغيرة لا يستطيع أحد أن يتخيل أنها صالحة للسكنى أو أن أحداً سكن فيها ، ولم يعثر فيها على ما يدل أنها كانت مسكونة في يوم من الأيام ، وإن حمل بعضها اليوم اسم القصر ، كقصر الصانع وقصر الفريد وقصر البنت . والثابت أصلاً أن حجر والعلا كانتا مستعمرتين معينيتين منذ أواخر الألف الثاني قبل الميلاد في الأقل ، وكان أغلب سكانهما من المعينيين ، ثم أصبحتا مستعمرتين سبئيتين بعد سقوط الدولة المعينية في أواخر القرن السابع قبل الميلاد ، ولم تكن تيماء ببعيدة عن نفوذ المعينيين والسبئيين في أيام صعودهم . وظلت المدن الثلاث ( الواحات ) كذلك حتى خضعت للمملكة التي أسسها اللحيانيون في المنطقة ، وحتى قيام مملكة الأنباط بالاستيلاء عليها والقضاء على المملكة اللحيانية .
ويبدو أن لثمود تاريخاً أقدم بكثير من ذلك التاريخ الذي ورد في سجلات الملك الآشوري سرجون الثاني ، وأن منازلها في الشمال الغربي من الجزيرة ليست منازلها الأولى . فهناك من يرى أن هذه المنازل كانت في مدينة ثمود ( أو منطقة ثمود ) الواقعة في صحراء حضرموت في اليمن ثم نزحت عنها . وهذا أقرب إلى الحقيقة في رأيي ، وإلا فلماذا سميت المدينة بهذا الاسم إن لم تكن لها صلة بثمود ؟ ويعزز هذا الرأي عثور فريق روسي _ يمني مشترك قام بالتنقيب في المنطقة ووجد آثاراً تعود إلى أزمنة مختلفة منها أدوات ومبان تعود إلى العصور الحجرية ، كما كشف عبد الرحمن السقاف مدير الآثار في حضرموت في حديث صحفي . ويبدو أن ثمودَ قد تشتت بعد نزوحها إلى مجموعات صغيرة ، أو أسر ، ونزحت من منازلها بدفعات متعاقبة ، وانتشرت في أنحاء مختلفة من الجزيرة العربية . فقد وجدت لها رسوم حيوانية ونقوش صخرية في وادي تثليث ، وفي بئر حما ( في منطقة عسير ) وفي جبل العرفاء ( قرب الطائف ) وفي جبل البيضتين ، وجبل حبوقة ، والبجادية ( في محافظة الدوادمي في عالية نجد ) وفي كهف برمة ( قرب مدينة الرياض ) وفي جبل المليحية ( 40 كم شرقي مدينة حائل ) وفي مواقع جبلية عدة قرب مدينة سكاكا ( في الجوف السعودي ) وفي حوض جبة ( في صحراء النفوذ ) . وهذا كله يسمح لنا بأن نستنتج : أن ثمودَ كانت قبيلة كبيرة ثم تشتت عند نزوحها إلى جماعات صغيرة بعد الكارثة التي حلت بها ، وحل بعضها في المواقع التي ذكرناها ، وربما في مواقع أخرى لم تكتشف بعد ، بينما نزح بعضها إلى الشمال الغربي من الجزيرة ونزل في منطقة حسمي وما جاورها موزعين في الجبال والحرار ، واتخذوا لهم معبداً رئيسياً في ( الغوافة ) في أقصى جنوبي هذه المنطقة ، ثم تشتت هؤلاء مرة أخرى ، كما سنرى في ما بعد .
أما تاريخ مدينة ثمود ( أو منطقة ثمود ) في اليمن فليس في الوسع التثبت منه والحديث عنه في الوقت الحاضر لغياب المعلومات ، خاصة أن هذه المدينة لم تضم إلى اليمن إلا بموجب التعديل الأخير لحدوده مع المملكة العربية السعودية . وأما نزوح ثمود من هذه المنطقة فالأرجح عندي أنه بدأ في زمن ما من الألف الثالث قبل الميلاد بعد أن حلت بها الكارثة ، فبعض الرسوم والنقوش الثمودية التي عثر عليها في جبل العرفاء قرب الطائف يعود تاريخه إلى ما قبل الألف الثاني قبل الميلاد ، كما تذكر المصادر الأثرية السعودية الرسمية . فإذا صح هذا أمكننا القول إن ثمودَ هي ثمودان : ثمود الأولى التي كانت تستوطن منطقة ثمود في اليمن قبل تصحرها وحلول الكارثة بها ، وثمود الثانية التي تشتت بعد التصحر وانتشرت في أنحاء الجزيرة العربية المختلفة .
والآن أيمكننا الحديث عن حضارة ثمودية ؟
برغم ما يبدو على ثمود من بداوة ، كانت قبيلة متحضرة نسبياً كما يبدو ، ثم انتكست حضارتها بعد رحيلها من موطنها الأول في اليمن وتشتتها في الآفاق . فقد مارست في مستوطناتها الجديدة الزراعة وتربية المواشي والتجارة والتعدين وبعض المهن البسيطة مثلما مارس بعضها الرعي والصيد ، وهذا دليل كاف على تحضرها النسبي في ما أظن . 
ويذكر ابن عبد ربه : أن بني هانيء من ثمود كانت تسكن الطائف ، وهم الذين خطوا مشاربها وأتوا جداولها وأحيوا غرسها ورفعوا عرشها ( العقد الفريد 2/37 ) . وروى صاحب الأغاني أبو الفرج الأصفهاني أخباراً عدة تذكر أن ثقيفاً هي من بقية ثمود ، وموطن ثقيف ، كما نعرف ، هو مدينة الطائف . ومن هذه الأخبار ما يحيل إلى الرسول ( ص ) ، ومنها ما يحيل إلى الإمام علي بن أبي طالب وإلى ابن عباس رضي الله عنهما ، ومنها أيضاً خبر طريف جاء فيه : أن الحجاج بن يوسف الثقفي قال في خطبة له خطبها في الكوفة ( بلغني أنكم تقولون : إن ثقيفاً من بقية ثمود ، ويلكم ! وهل نجا من ثمود إلا خيارهم ، ومن آمن بصالح فبقي معه عليه السلام ! ثم قال : قال الله تعالى ( وثمودَ فما أبقى ) . فبلغ ذلك الحسن البصري ، فتضاحك ثم قال : حكمَ لُكَعُ لنفسه ، إنما قال عز وجل ( فما أبقى ) أي لم يبقهم بل أهلكهم . فرفع ذلك إلى الحجاج فطلبه ، فتوارى عنه حتى هلك الحجاج . ( الأغاني 4 / 302 – 307 ) وواضح أن البصري قد تجاهل عن عمد ما جاء في آيتين حول نجاة قسم من ثمود هما : الآية 18 من سورة ( فصّلت ) والآية 53 من سورة ( النمل ) فالآيتان تشيران إلى نجاة فريق منها .
وبرغم أن روايات كهذه لا يعتد بها المؤرخون المعاصرون فإن تعددها وتنوع مصادر روايتها لا يخلوان من معنى ، حتى لو أن بعضها ، أو كلها ، صنع في عصر الحجاج وروي نكاية به وتعريضاً بنسبه . ثم أن منازل بعض ثمود لم تكن بعيدة عن الطائف ، فقد وجدت لهم نقوش كتابية ورسوم حيوانية كثيرة في جبل العرفاء الذي يقع في شماليها الشرقي ويبعد عنها بمسافة 35 كم ، فمن المحتمل إذن أن يكون بعض الثموديين قد حل في هذه المدينة ، وكان له دور في تنظيم الري والزراعة فيها .
ويذكر الدكتور مراد كامل أن تاريخ النقوش الثمودية التي عثر عليها في شمالي الجزيرة العربية يعود إلى حقبة زمنية تمتد من القرن الخامس قبل الميلاد حتى القرن الرابع الميلادي ( مقاله : لغات النقوش العربية الشمالية وصلتها باللغة العربية / بحوث ومحاضرات مجمع اللغة العربية في القاهرة / مؤتمر 1961 – 1962 / ص 180 ) . ولكن هذا قد يصح على النقوش التي عثر عليها في هذه المنطقة ولا يصح على التي عثر عليها في غيرها . فثمود عرفت الكتابة منذ عهد مبكر في اليمن كما يبدو ، وبعض النقوش الثمودية التي اكتشفت في جبل العرفاء يعود إلى ما قبل الألف الثاني قبل الميلاد ، حسب المصادر الأثرية السعودية الرسمية ، ولم تكتشف نقوش يمنية أقدم منها حتى الآن . وقد كتبت هذه النقوش بخط أبجدي شبيه بالخط المسند الذي كتبت به الأقوام اليمنية القديمة . وبدأ هذا الخط بخربشات ثم تطور وتبلور . ويقول بعض العارفين بلغة ثمود أن أبجديتها هي أبجدية اللغة العربية نفسها ، ولكنها تخلو من حرف الظاء ، وهذا ما لم يكن في وسعي التأكد منه . وقد انتشرت نقوشها في مناطق كثيرة متباعدة من الجزيرة العربية . فعثر على مجموعة منها في منطقة ثمود في اليمن ، كما ذكر في بعض مواقع الإنترنيت ، وعثر على مجموعات أخرى في المناطق التي استوطنتها من الجزيرة ، حتى ليزعم بعضهم أن المعثور عليه من النقوش الثمودية في المملكة العربية السعودية وحدها يبلغ نحو (160 ) ألف نقش ، وقيل أيضاً إنها نحو (10 ) آلاف نقش فقط ، ولكنني لم أجد ما يؤكد هذا الرقم أو ذاك في المصادر السعودية التي يعتد بها ، على أن المعثور عليه من هذه النقوش يعد بالآلاف ، كما ورد في مصادر موثوقة عديدة .
ويذكر الدكتور جواد علي ، وغيره ، أن الآثاريين عثروا على كتابات ثمودية كثيرة في الصحراء السورية ، وعلى مقربة من الحدود السورية الفلسطينية ، وفي الحرة والرحبة شرقي حوران ، وفي الشمال الغربي من تدمر ، وفي سيناء . وبعض هذه النقوش يعود إلى ما قبل ميلاد المسيح ومنها ما يعود إلى ما بعد الميلاد بقرون . ( مفصل تاريخ العرب قبل الإسلام 1/120 و 328 ) .
غير أن النصوص الثمودية لم تدرس بعد دراسة شاملة لنتعرف على طبيعتها وتواريخها وقيمة ما جاء فيها لإجلاء ما يحيط بتاريخهم من غموض . ولكن دراسة جزئية حديثة اقتصرت على النصوص التي وجدت في مواقع : كرمنسية ، وقليب الضبي ، وجبل القلعة ، وقارة المزاد ، والنيصة ، والرفيعة ( قرب مدينة سكاكا في الجوف السعودي ) كشفت أنها أدعية ، وعبارات شوق ، وتذكارات ، وتثبيت ملكيات ، ونصوص طبية ، وأسماء بعض المهن . وبعض هذه النصوص يعود إلى القرنين الثالث والثاني قبل الميلاد ، كما يقول صاحب الدراسة الدكتور سليمان بن عبد الرحمن الذبيب ، وبعضها يعود إلى حقبة متأخرة تبدأ من القرن الأول قبل الميلاد وتمتد إلى القرن الثالث الميلادي . ( صحيفة عكاظ عدد تشرين الأول / أكتوبر 2009 ) .
ويذكر أحد النقاد العرب القدامى ، وهو محمد بن سلام الجمحي المعروف بابن سلام ، أن محمداً بن اسحاق بن يسار ، وهو من علماء السير والمغازي ( كتب لعاد وثمود أشعاراً كثيرة ، وليس بشعر ، إنما كلام مؤلف معقود بقوافٍ ) . وعلق ابن سلام على ذلك مستنكراً فقال : أفلا يرجع ( ابن يسار ) إلى نفسه فيقول من حمل هذا الشعر ، ومن أداه منذ آلاف السنين ؟ ( طبقات فحول الشعراء 1/8 ) . وحجة ابن سلام في قوله أن عاداً وثموداً قد بادتا ، فمن تكفل بنقل شعرهم عنهم ؟ ولكن أليس من المحتمل أن يكون للثموديين شعر بلغتهم هم ( وهي ليست لغة الشعر الجاهلي ) وظل هذا الشعر يروى حتى وصل ابن يسار أو غيره ، ماداموا قد ظلوا موجودين إلى ما قبل ظهور الإسلام بنحو قرن ونصف القرن ؟ أما ابن يسار الذي لِيمَ كثيراً على ما رواه فقد كان يتخلص بطريقة بارعة فيقول : لا علم لي بالشعر ، أُتِينا به فأحمله !
ويلاحظ أن الثموديين كانوا يفضلون الاستيطان في الجبال وعند قواعدها ، وقد يكون السبب هو تجربتهم الأليمة في صحراء حضرموت ، أو تفادي السيول العارمة في المواسم المطيرة ، أو لأن هذه المواقع يسهل الدفاع عنها والالتجاء إليها عند وقوع غارة معادية ، أو لكل هذه الأسباب . ويبدو من طبيعة هذه المستوطنات أنهم كانوا مجموعات بشرية صغيرة لم تستطع أن تنشيء فيها مدناً وتطور حضارة ، وربما كانوا ينزحون منها حين يشح الماء أو تتغير ظروفهم في منازلهم . ولكن حيثما استوطن الثموديون تركوا آثاراً تدل عليهم ولا تدل على غيرهم هي : نقوشهم الكتابية ورسومهم الحيوانية على واجهات صخور الجبال . فقد كان لهم ولع بتسجيل أشواقهم وتذكاراتهم وتثبيت أملاكهم ونقش أدعيتهم . وكان لهم ولع آخر هو رسم حيوانات بيئتهم الطبيعية من ماعز وغزلان وأبقار وجمال ونعام وأسود حيثما وجدت أسود . وقد عثر في بعض مواقعهم ( قرب سكاكا ) على رسوم نباتية وأشكال بشرية ( د. سليمان الذبيب / مصدر سابق ) . ولابد لهذا الولع بالرسم من دلالة في عقائدهم الدينية ، في رأيي . كما عثر على خامات حديد ، ومناجم في بعض المواقع التي استوطنوها كموقعي وادي تثليث ( في عسير ) والبجادية ( في الدوادمي ) وهذا يشي بأنهم كانوا على قدر ما من المعرفة بالتعدين وبعض الصناعات المعدنية ، ربما صناعة السيوف في الأقل . ولوحظ في نصوص سكاكا أن بعض الثموديين كانوا يزاولون بعض المهن البسيطة فظهرت عندهم مفردات تدل عليها مثل : الجصّاص ( من الجص ) والخرّاز ( من الخرز ) . ( د. سليمان الذبيب ) 
من هذا كله يمكن أن نستنتج أن الثموديين كانوا يتأرجحون بين حياة البداوة وحياة الحضارة ، بحكم البيئة والظروف . ولكن ماذا عن مصيرهم ؟
لقد انتشرت ثمود ، بعد الكارثة التي حلت بها في منازلها الأولى ، في رقعة جد واسعة من الأرض شملت مواقع مختلفة ومتباعدة من الجزيرة العربية وأطرافها الشمالية ، فكان لها وجود في مواقع من عسير في الجنوب الغربي من الجزيرة ، وفي وسطها في نجد ، وفي شماليها في الجوف ، وفي شماليها الغربي في حسمي ، وفي شرقي مدينة حائل ، وفي مواقع مختلفة من بادية الشام ، وفي أطراف من سورية وفلسطين . ولكن لم يرد عن الثموديين خبر يفيد بأنهم أغاروا على أحد أو دخلوا في نزاع مع أحد ، حتى ليبدو عليهم أنهم كانوا قوماً مسالمين ، برغم وجود بعضهم في منطقة يشتد فيها الصراع على الطرق التجارية . فقد كان اهتمامهم بالتجارة ثانوياً وكان اشتغالهم بها محدوداً . واصطدامهم بجيش الملك الآشوري سرجون الثاني يبدو استثناء نادراً لا يد لهم فيه ، فهو لم يتكرر مع الآشوريين ولا مع غيرهم ، ولم يرد بخلاف ذلك أي خبر من الأخبار . ومن المحتمل جداً أنهم كانوا يصانعون القوى المهيمنة ، ويرغبون عن كل شكل من أشكال السلطة والنفوذ فتركوها للمعينيين والسبئيين واللحيانيين والقيداريين والأنباط ، وكان همهم أن يعيشوا حياتهم الطبيعية رعاة وزراعاً وتجاراً ومهنيين ، ولا يدخلوا في أي نزاع ، وربما كانوا يدفعون للقوى المهيمنة أتاوات ليتركوهم وشأنهم .
وقد لاحظت من محاولات التعرف على طبيعة المواقع التي نزلوا فيها أنها كانت مواقع معزولة في الجبال والحِرار ، وكان يقيمون مساكنهم من ألواح وكسر صخرية ، ولكنهم لم يكونوا ينحتونها في الجبال ، كما شاع عنهم بين المؤرخين القدامى والأخباريين ، وليس ثمة موقع ثمودي واحد يدل على أنهم فعلوا ذلك . ثم أنني لم أجد أي دليل ملموس يدل على أنهم شيدوا مدناً أو أقاموا فيها في أي مكان نزلوا فيه من الجزيرة العربية . ونحن قد نجد في بعض المدن أفراداً من الثموديين ، أو أسرة ثمودية صغيرة ، ولكننا لا نجد في أية حال مجموعة بشرية ثمودية كاملة استوطنت مدينة من المدن ، ربما عدا الطائف إذا صح ما نقلناه من أخبار . ولذا لا أتفق مع الأستاذ الباحث فاضل الربيعي الذي يعتقد أنهم نزلوا في مدن كحجر وتيماء ودومة الجندل وكانت لهم مملكة أو ممالك في تلك المنطقة ، وأنهم دخلوا في صراعات مستمرة مع الآشوريين ، وكانوا طرفاً في التحالفات القبلية التي صارعها الآشوريون ( إرم ذات العماد / الفصل السابع ) . فهذه كلها افتراضات عائمة لا توجد أدلة ملموسة تؤيدها . بل أن الثموديين لم يستوطنوا هذه المدن أصلاً ، ولم تنشأ في هذه المنطقة سوى مملكة واحدة غير مستقرة هي مملكة لحيان التي غزاها الكلديون وقضى عليها الأنباط ، ومن كان الآشوريون يعدونهم ملوكاً ليسوا سوى زعماء قبائل ، ومن عدوهنَّ ملكات كنَّ في واقع الأمر من نساء هؤلاء الزعماء أو من بناتهم . فعادية ( آديا ) مثلاً كانت زوجة زعيم قبلي يدعى : يثع ، وتوبة أو ثويبة ( تبوءة ) كانت ابنة زعيم دومة الجندل : خزائيل . وهذا ما ينطبق أيضاً على زبيبة ( زبيبي ) وشمس ( سمسي ) في أرجح الاحتمالات ، وربما كان بعضهن كاهنات متنفذات ، ذلك لأن تقاليد القبائل العربية وعاداتها ونزاعاتها ، تسمح بوجود كاهنات ، ولا تسمح بزعامة النساء .
والواضح من كتابات أجاثريدس وأورانوس وديودروس وبطليموس أن مجموعة من الثموديين قد نزلت عند الساحل الشرقي لخليج العقبة ، وفي منطقة حسمي عامة ، برغم أن هذا الخليج سمي خلال حقبة لا تزيد عن ثلاثة قرون باسم خليج : لحيان . ويذكر موسل أن حرة العوارض وحرة الرحى كانتا في القرن الثاني الميلادي من منازل ثمود ( شمال الحجاز/ ص 92 ) وهذا أمر محتمل ، ولا يوجد ما ينفيه ، لأن الموقعين ينسجمان مع طبيعة ثمود في اختيار منازلها ، ولكن من المستبعد أن تكون الأرض المحيطة بواجهة مدينة الحجر من ممتلكاتها كما ذكر موسل نفسه ( شمال الحجاز/ ص 93 ) . فليس هناك ما يدل على أنهم كان لهم وجود هناك أصلاً .
ويبدو أن الثموديين ابتعدوا عن مناطق النزاع وعادوا إلى حياة الشتات مرة أخرى منذ القرون الأولى بعد الميلاد . فتوغل قسم منهم في بادية الشام وقصد أطراف سورية وفلسطين ، وربما سيناء ، ودخل بعضهم في خدمة الرومان ، واتجه قسم آخر إلى منطقة الجوف وأطراف صحراء النفوذ ، ويظهر أنهم جميعاً اندمجوا تدريجياً في الأقوام والقبائل الأخرى وغلبت عليهم أسماء أخرى غير اسم ثمود . فهم لم يكونوا مجتمعين في منطقة واحدة تجمعهم في كيان واحد قوي ومتضامن ، بل كانوا موزعين في جماعات صغيرة متناثرة في الجبال والحرار المعزولة . ويذكر جواد علي أن آخر ذكر لثمود جاء في نص يعود إلى القرن الخامس الميلادي ( المفصل / 1 / ص 326 ) . ويفيد هذا النص بأن بعض الثموديين كانوا فرساناً في جيش الروم . وذكر الدكتور مراد كامل أن إحدى كتائب هؤلاء الفرسان كانت في مصر ( مصدر سابق ) . ولعل هؤلاء قد اندمجوا بالمصريين ، وهكذا ذهبت ثمود ، كل ثمود ، مع الريح .