معيشة سبعة ملايين موظف عراقي على كف عفريت       ((شلع قلع ))... شهر عسل الأحزاب العراقية ..كاسك يا وطن !!       تصفية سايكس- بيكو: طبخة زعاف مطلوب تجرعها       ماذا بعد اعتذار بايدن للإمارات عن «ايحاءات» تمويل الإرهاب؟       الرئيس معصوم .. همسات الصمت لتقسيم العراق ومعادلات حلول عاجلة         داعش .. خلافة ارهابية !!       مشاورات متعددة الاطراف لإحياء تشكيلات الصحوات.. كخطوط قتالية ل"تحرير" الموصل وتكريت والانبار        طيران الجيش يدمر ثلاثة صهاريج محملة بل الوقود المهرب لداعش في الموصل        جوزات داعش اصحبت مستمسك ضدهم        تدمير اكثر من 60 موقعا لعناصر تنظيم "داعش" في مدينة تكريت
التفاصيل
2013-12-24 09:20:00
Share |
العراق وتعددية الغزو والاحتلال
بغداد/ الوركاء برس
العراق وتعددية الغزو والاحتلال

العراق وتعددية الغزو والاحتلال

طارق الدليمي

تبدو الحياة الآن في العراق مثل شجرة قميئة عارية يقف على غصونها الجرداء ثلاثة طيور سود يمثلون النخب التي أنتجها الاحتلال وتركها نهب ريح العملية السياسية المتشظية والمغلقة الآفاق في ظل الانهيار الأمني الشامل. وهذه النخب تفتش عن مأوى في الهوة السحيقة التي تحفر أضراسها في مجتمع الخيبة والانحطاط. أما الموت فقد أصبح بفضل الأمطار العاصفة والمفخخات المستدامة وكأنه شرطي مرور سيئ التدريب، لا يعرف اتجاهات الطرق فقط، بل لا يفهم إشاراته أيضا، ويعكس برثاثة الصورة التي رسمها قبل قرون عمران بن حطان للموت العربي حين قال: «لا يعجز الموت شيء دون خالقه ـ والموت فان إذا ما ناله الأجل».
لكن الحياة العادية التي يلخصها الكرمي في «راحة العقل»، وهي البرزخ الضيق بين الحياة الفانية والموت المؤقت، هي التي تسيطر الآن على مقدرات البلد، وذلك بفضل الصراع الحيوي الذي تعيشه النخب وهي تتجه دوماً نحو تحقيق مصالحها النرجسية المتهالكة. وهي إذ تعاونت مع الغزو والاحتلال وكان شأنها في ذلك مثل «عرف النار» الذي قالت عنه العرب، من استعان بالأجنبي على قومه. إنها تعكس بدقة أخلاق الغزو وملامح الاحتلال ومصالح الامبراطورية العالمية حين تتحول إلى فتات موائد الطوائفية والعرقية السياسية الحاكمة والمحكومة في الوقت نفسه. من هنا يحق لنا «الفحص السريري» للحالة القائمة وهي تنتظر بشوق حصول الانتخابات القادمة في نيسان 2014، وكأنها إعادة روتينية لما يسمى المرحلة الانتقالية من الديكتاتورية إلى الديموقراطية، متجاوزين موضوعة الانتقال من الاحتلال إلى السيادة والاستقلال الكامل. وهذه الموضوعة «القلقة» هي التي لخصها انتونيو غرامشي في دفاتر السجن حين كتب: «الفترة الانتقالية على العموم تتضمن حالة فريدة في آليتها، وهي أن القديم ما زال حياً، وأن الجديد يعاني من عسر الولادة، وأنه تظهر على السطح دائماً أعراض مرضية حادة ومتنوعة».
لكن غرامشي لم يكن دقيقاً في ما يمكن توقعه من نخب الاحتلال وما تريده من الناس وليس العكس هو الصحيح دائما. ففي حالة لم يتم تحقيق نقاط الجدول الموضوع من قبل «الكوندومينيوم» للنخب لتطبيقه بحذافيره في مرحلة ما من تطور العملية السياسية، لا بد من القيام بإجراءات جراحية معينة للإعلان عن فشل تلك «المرحلة الانتقالية» المؤقتة والبدء فوراً وبحيوية منقطعة النظير في بناء مرحلة انتقالية جديدة، وهكذا دواليك. بهذا المعنى فإن المرحلة الانتقالية ستكون جزءاً لا يتجزأ من البنية التحتية للحكومة القائمة وطاقمها السياسي، إذ لا توجد دولة قطعا، وان على رموز البنية الفوقية الضلوع تواً، بعد القيام بجملة تغييرات طفيفة ومهمة في أشكالهم ومواقعهم، للإشراف على المرحلة الانتقالية الجديدة، ومحاولة ضبط مساراتها وتحديد مضامينها وآفاقها ودراسة إمكانيات تهيئة مستلزماتها ومن ثم محاولة تحقيق مآربها ضمن سقف الاحتلال وأغراضه.
هنا لا حصافة أبداً في بناء توازن دقيق بين أهمية «الرغبة» في تحقيق الحد الأدنى من مطالب الناس والاجراءات التي تتخذ من أجل منع المخاوف الحقيقية من أن تصير الأمور بيد الجموع «المنغولية» وتقلب الطاولة على الجميع. لذلك يبدو العنف ذا مخالب مزدوجة. ذلك الذي يأتي من الخارج وتحديدا من قبل الوهابية الخليجية، وذلك الذي ينبع من فشل الأحزاب الطوائفية والعرقية، وهي بلا نظام داخلي أو برامج انتخابية، وكذلك من تغول الحكومة القائمة وأساليبها الديموغرافية الانتقائية في «العنف»، وذلك لأنها من جهة لا تستطيع الاستقالة من موقعها ومهامها المركزية، ومن الجهة الأخرى لا تتمكن، ضمن ظروف الأمر الواقع، ومن خلال نشأتها، أن تتحول إلى دولة مواطنة حقيقية ذات برنامج اجتماعي ـ سياسي متكامل.
يقول جلال الدين الرومي: «إن الانسان حمار بأجنحة ملائكة»! لكن «إنسان» العملية السياسية في تحليقه في فضاء الاحتلال يستعمل أنياب الشياطين ومخالبها في إنجاز تسوياته اليومية وصفقاته الحزبية. لذلك تبدو مناقشة مسألة العنف وعلاقته بـ«المرحلة الانتقالية» ترديداً أعمى لمقولات المحافظين الجدد وتحديدا منظرهم مايكل لايدن، الفاشي سابقا ومستشار بول بريمر لاحقا! وهذا الإمّعة يربط الإنجازات الخلاقة بانبثاق العنف المبدع وتعميماته التاريخية العرجاء. وفي التجربة العراقية المعيوشة، وقبل الغزو والاحتلال، فإن الإهمال المتعمد من قبل نخب الاحتلال للمناقشة الجادة للعنف وعقابيله، يعكس بدقة الإخفاق التاريخي السابق لها، وكونها جميعاً ومن دون استثناء قد مارست العنف المنفلت والأهوج، سواء كانت في «حقل» التحالف مع السلطات السياسية أم في حقل معارضتها والسعي إلى أن تكون «البديل» في الحكم والعنف معاً. بهذا المعنى فإن القيادات القائمة هي نخب رجعية متأخرة بكل ما تعنيه هذه الكلمات، لأنها ببساطة وعمليا ما زالت تعيش في إطار ومحتوى الفكر الرجعي الملكي والبونابرتي العسكري في التسلط والإرهاب. وهذا الفكر لا يناقش هذه القضايا أبدا بسبب تخوفه العميق من سلطة الديموقراطية الحقيقية وقوة الناس الاجتماعية، وأيضا بسبب ممارساته الدورية في الإفراط في التسلط والعنف في مواجهة حركة الناس ومن أجل الدفاع عن سلطته الرجعية الاستبدادية. وبهذا لا يكرّس فقط سلطة الحكومة وإنما بدوره أيضا يعوق بناء الدولة الحقيقية للناس. من هنا فإن أشخاصاً من نمط الجلبي والبزاز في مجرى حالة الانفصام هذه سيتحول كل منهما إلى «الرجل الوطواط» في تلبية طلبات الناس الإسعافية السريعة، ولا سيما حين يشعر الجميع بأنهم لا يمتلكون أدوات التحليل لمعرفة ما يدور حولهم.
من هنا يظهر أن النقطة الجوهرية هي ليست ما يسمى بالبرنامج الفكري الكبير، للقوى الدينية السياسية تحديداً، والذي يسحق الجموع بأقدامه الغيبية، وإنما مواجهة الأمر من خلال الاشتباك المباشر والسهل مع أشكال الايديولوجيا المتاحة، حتى لو كانت مسكينة من نمط الايديولوجيا السوفياتية المنقرضة، والتي تأخذ مضمونها من هموم الناس اليومية وتمنعها روحياً من أن لا تتصرف كالقطيع. أي بالضبط عكس ما يريده، مثلا، «المجلس الأعلى الاسلامي» في دعواته السياسية الأخيرة، حيث كيف تقنع هذه الجموع بقمعها وبكامل إرادتها وتفضل أن تعيش في ظل حنين الماضي وليس حنان المستقبل المزهر. إنه «وادي الدموع» في المرحلة الانتقالية الأولى من الديكتاتورية السابقة إلى حرية الاحتلال، وبعدها المرحلة الانتقالية الثانية من حرية الاحتلال إلى ديموقراطية المحاصصة الاستبدادية. والآن مكتوب على الناس الصبر والعبور الجديد والمطلوب إلى حرية صناديق الانتخابات السياسية الكاذبة المحضة. هنا تتكرس نبوءة القرن التاسع عشر المذهلة. إن أسوأ ما في «الديموقراطية» لن يكون أبداً معادلاً بأفضل ما في النخب من غرائز مسعورة ومصالح دنيئة.
ولكن ما الذي تقوله نخب الاحتلال الاميركية؟ بمعرض توجيه انتقاداتها الحادة إلى المتعاونين معها في الغزو والاحتلال. إنه أيضا تكرار مزدوج للفشل «التاريخي» في إعادة بناء الأمم. الأول عدم قدرة العراق على استيعاب الديموقراطية الغربية وتمثلها، والثاني عجز النخب في التحول، على ضوء المتغيرات الجديدة، إلى قيادات تاريخية لديها الكاريزما الخاصة في تحقيق التحولات الاجتماعية الكبرى في تاريخ الشعوب. إن وضع الديموقراطية في بلد متخلف اقتصاديا، هكذا، سيؤدي حتماً إلى كوارث اقتصادية واستبداد سياسي. فكيف إذا وضعت ديموقراطية مشوّهة بالأساس. والاستنتاج الظالم، هو أن الاعتماد، والتعويل على النخب المستنيرة، حتى لو حكمت بدون ديموقراطية وعن طريق أشكال غير ديموقراطية، هي الوصفة السحرية لبناء القاعدة الاجتماعية الصلدة التي تمنح الحياة لبزوغ نظام ديموقراطي مستقر وفعال ومزدهر. والسؤال هو: هل هذا فعلا ما كانت تريده إدارة بوش الابن أم أن المؤسسة الأميركية كانت تغالي في توقعاتها التاريخية في العراق وغيره، وذلك من أجل ليّ ذراع تاريخ هذه المناطق لمصلحة البرنامج الاستراتيجي للعولمة الأميركية؟ نعم! وذلك لأن أنظمة كوريا وتشيلي وتايوان لا تبرر القمع السابق، بل تعطي المسوغات الكاملة التجريبية لنتائج ذلك القمع المستنير!! والذي هو عمليا يعيد إنتاج التجربة التاريخية لتطور الرأسمالية في أوروبا واليابان، الاستثنائية في المشرق، مع أن ذلك يقود حتماً إلى الحذر واليقظة خشية أن يتطابق التقشف في الاقتصاد مع التقشف في الديموقراطية السياسية! ولكن ما هو مهم حاليا هو ليس طرح الأسئلة بل تصحيحها، حيث ينكشف التناقض بين إدارة الحكومة المتسلطة والحرية العائمة للناس. والذي يعود بدوره إلى «التناقض» الخلاق بين «نخب» الاحتلال الأميركية و«نخب» الاحتلال العراقية. أليس من حقنا الاستنتاج أن هذا التناقض «الودي» العضوي هو الذي يجعل من الأول مسؤولا عن بداية القيام بالغزو والثاني مسؤولا عن المباشرة في استكمال الاحتلال والتدمير المنهجي للبلاد والعباد؟